حبيب الله الهاشمي الخوئي
52
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
من الحلاوة والطلاوة واللطف والسلاسة ، لا أرى كلاما يشبه هذا إلا أن يكون كلام الخالق سبحانه ، فانّ هذا الكلام نبعة من تلك الشجرة ، وجدول من ذلك البحر ، وجذوة من تلك النار كأنّه شرح قوله تعالى : * ( وَعِنْدَه ُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) * . فلنعد إلى شرح كلامه عليه السّلام لعجز اللسان وقصور البيان عن احصاء فضائله واستقصاء خصائصه فأقول قوله : ( عالم السّر من ضمائر المضمرين ) أراد به أنه خبير بمكتوبات السرائر ومحيط بمكنونات الضمائر ، لا يعزب عن علمه شيء منها كما قال عزّ من قائل : * ( وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّه ُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى ) * . ( ونجوى المتخافتين ) أي مسارة الذين يسرّون المنطق كما قال تعالى : * ( ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ) * . ( وخواطر رجم الظنون ) يعنى ما يخطر بالقلب ممّا يسبق إليه الظَّنون من غير برهان ( وعقد عزيمات اليقين ) أي محكمات العقائد الناشئة عن اليقين التي عقد عليها القلب واطمأنّ إليها النّفس ( ومسارق ايماض الجفون ) يعنى خفيات ( 1 ) إشارة الجفون ، أو المراد بالجفون العيون مجازا وبالمسارق النظرات الخفية التي للعيون كانّها تسرق النظر لاخفائها فيكون المقصود علمه بالنّظرات الخفيّة للعيون حين تومض أي تلمع لمعا خفيفا يبرز لمعانها تارة ويختفى أخرى عند فتح
--> ( 1 ) هذا على كون المسارق من سرق كفرح بمعنى خفى والايماض بمعنى الإشارة ، منه